القاضي عبد الجبار الهمذاني
35
المغني في أبواب التوحيد والعدل
قيل له : إن الّذي أثبتناه شرطا في الألطاف من فعلنا لم نقطع بذلك فيه إلا بدلالة ؛ لأن الّذي يسقط به الفرض متى وجد من المكلف - ولولاه لكان الفرض ثابتا - لا بدّ من أن يكون معلوما له ، ليصح أن يعرف عند فقده وجوب الفرض عليه ، وعند وجوده سقوطه عنه . فلو كان بعض الفعل له تعالى يقوم مقام الواجب علينا لوجب أن يدل عليه ، وكنا نعلم سقوط الواجب عند وجوده ، وثبوت وجوبه عند عدمه ؛ وقد ثبت أن الحال بخلافه . فإن قال : جوّزوا في مقدوره تعالى ما يقوم هذا المقام وإن لم يكن عليه دليل ، وقولوا : إن الواجب على المكلف أن يتوقف فيما هذا حاله ، ولا يقدم على اعتقاد ويكون بمنزلة من ورد عليه الخطاب من الرسول ، فيعتقد فيما يتناوله من الأحكام على الجملة ولا يعتقد دوامها ؛ بل يقف في ذلك . قيل له : إنما يجب التوقف عند فقد الدليل ، فأما عند ثبوته فلا وجه للتوقف . وقد بينا أن الواجب علينا أن نعتقد في العبادات المضيقة « 1 » أنها لازمة لنا مع سلامة الأحوال ، وإن وجد كل شيء أو عدم ، فكيف يصح مع وجوب هذا الاعتقاد أن نجوّز ما سألت عنه ؟ فإن قال : هلا قلتم إن في العبادات المضيقة ما يقوم في كونه لطفا مقامه ، وإن لم يجب أن يدل عليه ؟ قيل له : لو جاز فيما يقوم مقامه أن لا يدل المكلف عليه ، لجاز في العبادة نفسها أن لا يدل عليها لأن صفتها في الوجه الّذي يجب لأجله تعريف المكلف واحدة « 2 » ؛ فكيف يجب أن يبين تعالى للمكلف أحدهما دون / الآخر ؟
--> ( 1 ) يظهر أنه يريد بها العبادات الصعبة التي تحدث الضيق كالصوم مثلا . ( 2 ) خبر لأن .